Skip to content

الدولة الايوبية

March 23, 2012

الدولة الايوبية

بعد وفاة نور الدين محمود في عام (569هـ \ 1174م) خلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل الذي لم يكن على مستوى الأحداث بفعل صغر سنه, وافتقاره إلى الخبرة والتجربة.

وبرز من جهة أخرى صلاح الدين الأيوبي كوريث طبيعيى، استطاع أن يملأ الفراغ القيادي الذي ظهر بعد وفاة نور الدين محمود, وبوفاة الملك الصالح إسماعيل عام (577هـ= 1181م) زال هذا القسم من الدولة الزنكية, ودخل في حكم صلاح الدين بعد صراع دامٍ مع دولة الموصل.

أصل الأيوبيين

أمّا عن أصول صلاح الدين الأيوبي، فإنَّ الأيوبيين ينتسبون إلى أيوب بن شادي من بلدة (الواقعة عند آخر حدود أذربيجان بالقرب من تفليس في أرمينية, وجميع أهل ذلك البلد من الأكراد)

غير أن بعض الأيوبيين حاول أن يبتعد عن الأصل الكردي, وأن يلتصق بالدم العربي .

أسد الدين شيركوه

لكن أوضاع الأسرة اضطربت بعد ذلك بسبب مساعدة نجم الدين أيوب لعماد الدين زنكي بعد هزيمته عام (526هـ= 1131م) أمام قوات الخليفة المسترشد بالله (512- 529هـ = 1118- 1135م) وترتب على هذه المساعدة آثار بالغة الأهمية على مستقبل الأسرة.

وبعد أن قُتِلَ عماد الدين زنكي في عام (541هـ= 1146م) اجتمع الأخوان في خدمة نور الدين محمود وارتفع شأنهما عنده, واختار نور الدين محمود أسد الدين شيركوه؛ ليقود قواته إلى مصر للاستيلاء عليها وضمها إلى بلاد الشام, وقد صحبه ابن أخيه صلاح الدين في جميع حملاته.

وعندما نجح في مهمته, تولى منصب الوزارة في مصر في ظل الحكم الفاطمي المتداعي, وعندما توفي في (عام 564هـ \ 1169م) خلفه ابن أخيه صلاح الدين في المنصب.

أيقظت خلافة أسد الدين شيركوه في منصبه الكثير من الطموحات بين الفرقاء؛ إذ حدثت إثر وفاته خلافات وتنافسات على منصب الوزارة بين عدة فئات منها

صلاح الدين يتولى وزارة مصر

المؤسسة العسكرية الفاطمية, وبعض أمراء نور الدين محمود الأتراك الذين رافقوا الحملة، بينما ظل صلاح الدين في الظل صامتًا, ولكن الفقيه عيسى الهكاري سانده مُقتَرِحًا ترشيحه لهذا المنصب؛ فقرر الخليفة (العاضد) اختيار صلاح الدين لاعتلاء منصب الوزارة خَلَفًا لعمه؛ لاعتقاده أن صِغَر سنِّه وافتقاره للتجربة سوف يرغمانه على الاعتماد على موظفي الدولة الفاطمية, وتجعله أداة سهلة في يد الخليفة، يستغلها في القضاء على بقية أعوان أسد الدين شيركوه, وكان عمر صلاح الدين آنذاك اثنتين وثلاثين سنة, ولقَّبَه بالملك الناصر وذلك في (25 من جمادى الآخر عام

564هـ).

وقد آلت الوزارة إليه؛ لأنه أصبح وزيرًا للخليفة الفاطمي الشيعي, ونائبًا عن نور الدين محمود صاحب دمشق السُّنِّي في ذات الوقت؛ فاضطر إلى الدعاء لهما معًا في الخطبة, ثم أخذ يقوي مركزه في مصر, ويعمل على اكتساب محبة أهلها؛ ليشتدَّ بهم أزرُه ويستقلَّ بهذه البلاد..

وقد رأى صلاح الدين أن مركزه قد أصبح شديد الحرج, فبعد أن تولى صلاح الدين منصب الوزارة في مصر استطاع أن يُحكِمَ قبضته على الدولة, وقد أدى ذلك إلى تهميش دور الخليفة؛ مما أثار حفيظة عدد من صنائع العبيديين الذين قاموا بالعديد من الثورات والمؤامرات؛ لأجل إعادة الحكم لسادتهم، وقد استعانوا في مؤامراتهم تلك بالصليبيين أعداء الأمة، وكذلك بفرقة الإسماعيلية الباطنية الشيعية المعروفة بالحشيشية، ولكنَّ الل مكَّن صلاح الدين من القضاء على تلك المؤامرات.

تراوحت العلاقة الأيوبية مع الخلافة العباسية في عهد صلاح الدين بين الحِيدَة والفتور, فقد عاش صلاح الدين في كَنَفِ الزنكيين الذين ربطتهم بالخلافة العباسية علاقات جيدة بشكل عام؛ فكان نور الدين محمود يحترم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله تدينًا بناءً على عقيدته السُّنِّيَّة, وحرص على كسب رضاه, وكذلك بادله الخليفة هذا الاحترام, فكان يحث أمراء الأطراف على مساندته في حربه ضد الصليبيين, كما أرسل إليه الخلع والتشريفات.

فكان طبيعيًّا أن ينهج صلاح الدين نهج نور الدين محمود, وأن يستفيد من سياسته تجاه الخلافة العباسية, فابتدأت علاقته الجيدة منذ عام (567هـ= 1171م). وفي الوقت الذي كان فيه وزيرًا للخليفة الفاطمي (العاضد), فقد طلب منه الخليفة العباسي آنذاك أن يقطع الخطبة للفاطميين, ويدعو للعباسيين على منابر مصر، ففعل ذلك احترامًا منه لمقام الخلافة التي يدين لها بالطاعة والولاء.

وبعد وفاة نور الدين محمود, اضطربت الأوضاع في بلاد الشام بفعل الخلافات بين الأمراء؛ فاستغل الصليبيون ذلك, وهاجموا الأراضي الإسلامية؛ مما استدعى تدخل صلاح الدين, وحتى يعطي تدخله مبررًا شرعيًّا, ويحافظ على ما سوف يحققه من إنجازات, كتب إلى الخليفة العباسي, يصور له أوضاع بلاد الشام السياسية المضطربة, وتَوَثُّبَ الصليبيين عندما هاجموا الإسكندرية, وأوضح له سبب ضم اليمن, بأنه لضرب المهدي المبتدع, وأعقب كل ذلك برجائه من الخليفة أن يُنْعِمَ عليه بتقليد جامع لمصر والمغرب واليمن والشام, وكل ما تشتمل عليه ولاية نور الدين محمود, وكل ما يفتحه اللهُ للدولة على يديه؛ فاستجاب الخليفة لمطالبه.

وعلى الرغم مما توافر له من القوة التي فاقت قوة نور الدين محمود، كان صلاح الدين بحاجة إلى مساندة الخلافة في صراعه مع الأمراء المسلمين المناوئين, وبخاصة الزنكيين؛ لذلك كان يُطْلِعَ الخلافة على تحركاته ومنجزاته ليكسب تأييدها, وحتى لا يُتَّهَم بأنه يقاتل من أجل مطامع شخصية؛ فيخسر مساندة الخلافة له, ولكي لا يُتَّهَمَ بقتال المسلمين, وترك قتال الصليبيين.

ولكن في عهد الخليفة أبي العباس أحمد بن المستضيء شعر هذا بالقلق من تحركات صلاح الدين، وخشي أن يمتد نفوذه حتى عاصمة الخلافة؛ لذا اكتفى بتأييده ظاهريًّا، وبمساعدات قليلة حتى لا يزيده قوة..

عندما استقر صلاح الدين في منصب الوزارة في مصر أعد نفسه لإحداث تغيير جذري وشامل داخل مصر في كافة المجالات, وكانت مهمته هي التصدي للمشكلات التي أثارها مركزه، فرغم أن التناقض الظاهر من وجود وزير سني لدى خليفة فاطمي لم يكن بالوضع الجديد؛ لأنه طيلة قرن تقريبًا كان هناك وزراء سنيون على مراحل متقطعة في مصر, لكن حركة الجهاد الإسلامي التي قادها نور الدين محمود تحت راية دولة الخلافة العباسية, بالإضافة إلى قيام وحدة فَعَّالة بين بلاد الشام ومصر تقف في وجه الصليبيين، حَتَّمت على نور الدين محمود وبالتالي صلاح الدين الالتزام بإعادة مصر إلى حظيرة الولاء للعباسيين, ولكن الضرورة دعته إلى تمهيد السبيل أمام التغيير رغم إلحاح نور الدين محمود وعتاب الخليفة العباسي؛ لأنه أدرك أن التغيير السريع لا بد أن يولد ردَّ فعلٍ فوري معاكس لا يمكن تدارك نتائجه ..

وضَمِنَت الخطوات التمهيدية العسكرية والاقتصادية والدينية التي نفذها إحكام قبضته على البلاد. ومع نهاية عام 566هـ= 1171م وضحت أهداف صلاح الدين بحكم عقيدته السنية في إسقاط الدولة الفاطمية في مصر, وإقامة الخطبة للعباسيين.

أهداف صلاح الدين الإصلاحية

لم تكد تمضي أيام على قطع الخطبة للفاطميين حتى توفي العاضد آخر الحكام الفاطميين, ليلة (العاشر من المحرم)؛ فأمر صلاح الدين بإرسال الكتب إلى البلاد بوفاته, وإقامة الخطبة رسميًّا للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله, وبذلك يكون صلاح الدين قد وضع نهاية للدولة الفاطمية في مصر، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها عادت فيها هذه البلاد إلى العالم الإسلامي السُّني؛ لتؤدي تحت قيادة الأيوبيين دورًا مهمًّا في توحيد الجبهة الإسلامية ومواجهة الصليبيين، كما قام صلاح الدين بجهود كبيرة في إصلاح الأحوال الاجتماعية في مصر؛ فاهتم ببناء المنشآت كالمستشفيات، وإصلاح المرافق والطرق، والإنفاق على المرضى والمحتاجين، كما عمل على توفير الحماية لمصر من خلال بناء قلعة صلاح الدين، لصد الهجمات الآتية من قِبَل الصحراء .

ورغم ذلك رأى صلاح الدين أنه بحاجة إلى عمل خارجي لتحقيق ثلاثة أهداف:

: توسيع رقعة الدولة الإسلاميةالأول

: تحصين إنجازاته التي حققها في مصر.الثاني

: تأمين حدود بلاده.الثالث

وأسفرت جهوده عن ضم المغرب الأدنى وبلاد النوبة واليمن.

أمَّا في الشام فقد أثارت وفاة نور الدين محمود مشكلة تقسيم دولته الواسعة بين ورثته؛ مما هدد الوحدة الإسلامية، وكادت هذه المشكلة أن تعود بالمسلمين إلى حالة التمزق والانقسام التي كانوا عليها قبل أن يبدأ عماد الدين زنكي جهوده لوضع قاعدة صلبة لتوحيد الجبهة الإسلامية والتصدي للصليبيين، ولم يكن بين رجال الأسرة الزنكية من يصلح أن يكون خلفًا لنور الدين محمود الذي لم يترك سوى ابنٍ طفلٍ في الحادية عشرة من عمره يسمى إسماعيل, وابنة صغيرة, وزوجة هي عصمة الدين خاتون .

اتفق الأمراء في دمشق بعد مناقشات مستفيضة على تنصيب الصالح إسماعيل ملكًا خَلَفًَا لوالده, وعيَّنوا شمس الدين محمد بن عبد الملك, المعروف بابن المقدم قائدًا للجيش, وأتابكًا له, وكتبوا إلى ولاة الأطراف بإقامة الخُطبة باسمه, وبخاصة صلاح الدين في مصر.

صلاح الدين يضم الشام لملكه

وقد جاءت وفاة نور الدين محمود (عام 569هـ= 1174م) لتزيل الصعوبات الناجمة عن كون صلاح الدين نائبًا للأمير الزنكي في دمشق وحاكمًا فعليًّا لمصر, كما أنها في الحقيقة أعطت صلاح الدين مبررات مقنعة للدخول في مجال السياسة في بلاد الشام؛ حيث إن الصالح إسماعيل كان قاصرًا؛ لذلك قدم نفسه بوصفه النائب القوي الذي يمكن للصالح إسماعيل الاعتماد عليه.

والواقع أن صلاح الدين تطلع إلى ضم بلاد الشام إلى مصر بعد وفاة نور الدين محمود بهدف استمرار السياسة التي بدأها عماد الدين زنكي, وجرى عليها ابنُه نور الدين محمود, والتي تقضي بتوحيد كلمة المسلمين, والقضاء على الصليبيين .

وهكذا ضمَّ صلاح الدين دمشق وقلعتها؛ من أجل حماية الصالح إسماعيل من خطر الصليبيين, والأمراء الطامعين .

الاستعداد لمواجهة الصليبين

أخذ صلاح الدين ينفذ سياسته, في إعادة بناء الجبهة الإسلامية المتحدة بحيث تمتد من شمالي العراق إلى بلاد الشام فمصر؛ ليتمكن – بعد ذلك- من البدء في حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين, والمسلمون أشد ما يكونون قوةً وتماسكًا, ثم تابع تقدمه باتجاه الشمال؛ وجرت مفاوضات مع أمراء الزنكيين أسفرت عن أن يكون لصلاح الدين ما بيده من بلاد الشام, وللحلفاء الزنكيين ما بأيديهم, وأن تُضافَ إلى أملاكه بعض الأراضي الواقعة شمالي (حَمَاة) وبعد توقيع الاتفاق رحل صلاح الدين عن حلب .

قام صلاح الدين بعد ذلك بضم حلب وآمد وسنجار وغيرها من المدن والحصون؛ في سبيله لإتمام الوحدة التي يستطيع بها مواجهة الصليبيين، وتحرير بيت المقدس.

في ذات الوقت كانت هناك محاولتان للتخلص من صلاح الدين قام بها طائفة الحشيشية بالتعاون مع الصليبيين؛ رغبةً من الحشيشية في الانتقام منه لإسقاطه الدولة العبيدية المنحرفة التي يدينون بدينها، وخوفًا –في نفس الوقت- من الصليبيين من أن يُتم صلاح الدين وحدة مصر والشام، ثم يفرغ لمواجهتهم .

العلاقة مع الصليبيين

لقد مرت العلاقات (الأيوبية – الصليبية) في عهد صلاح الدين بمرحلتين كبيرتين, امتدت المرحلة الأولى من عام (570هـ= 1174م) إلى عام (582هـ= 1186م). وفي هذه المرحلة لم يكن صلاح الدين متفرغًا لجهاد الصليبيين؛ إذ ليس من المعقول أن يوجه اهتمامه الكامل للجهاد ضدهم، وخلفه مجموعة من الأمراء المسلمين الذين يُشكلون تهديدًا محتملاً في الشمال والشرق؛ لذلك كرس اهتمامه وجهوده نحو توحيد الجبهة الإسلامية .

في بلدوين الرابع وقد تخلل هذه المرحلة عقد المعاهدات, مثل المعاهدة التي عقدها مع الملك هـ= 581م (صاحب طرابلس في عاريموند الثالث م), والمعاهدة مع 1180هـ= 576عام (1185م).

التفرقة بين صفوف الصليبيين, بث وتُعَدُّ هذه المعاهدات من العوامل التي ساعدته على وإضعاف قوتهم.

وامتدت المرحلة الثانية من عام (582هـ= 1186م) إلى عام ( 588هـ= 1192م)، وكان صلاح الدين قد انتهى من توحيد الجبهة الإسلامية؛ فانصرف بكل طاقاته إلى الجهاد, وحقَّقَ الانتصارات الضخمة التي خَلَّدَت ذِكرَه في التاريخ ومن هذه الانتصارات الانتصار العظيم في

( معركة حطين عام583هـ= 1187م).

كان من الأفضل للصليبيين – وقد كانوا في حالة صراعٍ داخليٍّ- أن يلتزموا بشروط الهدنة التي عقدوها مع المسلمين, وهي الهدنة التي ضمنت حماية القوافل التجارية بالتنقل بِحُرِّية وأمنٍ ما بين القاهرة ودمشق .

ولكن الأحداث كانت تجري بسرعة في مصلحة صلاح الدين, وهو يستغلها؛ إذ إن تحالفه مع (ريموند الثالث) أثار غضب (رينولد شاتيون) الذي كان في هدنة مع صلاح الدين، فقام بنقض الهدنة في (عام 582هـ= أواخر عام 1186م), حين أوقف قافلة تجارية كبيرة مَارَّةً بأرض الكرك, في طريقها من مصر إلى بلاد الشام, واستولى عليها؛ فقتل حراسها, وأسر بعض الجند, كما قبض على من في القافلة من تجار وعائلات, وحملهم إلى حصن الكرك .

لم تلبث أنباء الاعتداء أن وصلت إلى مسامع صلاح الدين, ولحرصه على احترام المعاهدة, أرسل إلى رينولد شاتيون ينكر عليه هذا العمل, ويتهدده إن لم يطلق سراح الأسرى ويعيد الأموال, غير أن صاحب الكرك رفض استقبال رسله .

وعندما وجد صلاح الدين إعراضًا من جانب رينولد أرسل إلى الملك جاي لوزجنان شاكيًا, ومطالبًا بالنصح لرينولد بإعادة الأسرى والأموال؛ فلبَّى جاى دعوة صلاح الدين، ولكنه فشل في الضغط على رينولد.

والواقع أن صلاح الدين لم يستطع أن يكظم غيظه أمام رفض رينولد وعَجْز جاي؛ فأقسم أن ينتقم من رينولد, بل إنه “نذر أن يقتله” !! , وأعطى اللهَ عهدًا إن ظفر به سيقتله , وما حدث من نقض الهدنة على هذا الشكل جعل الحرب أمرًا لا مَفَرَّ منه. كما أن

لقد اختار الصليبيون صفورية قُرب عكا مكانًا لتجمعهم, وحملوا معهم صليب الصلبوت تَبَرُّكًا, وعندما علم صلاح الدين أن ريموند الثالث نقض الهدنة والاتفاقية المعقودة معه، غادر الأردن مسرعًا إلى أن وصل إلى حوران؛ فاجتمع بابنه الأفضل, وشاهد جيوشه البالغة اثني عشر ألفًا من الفرسان، بالإضافة إلى المشاة والمتطوعة مجتمعةً؛ فعبَّأها لخوض المعركة, ثم توجه إلى طبرية يوم الجمعة (17 من ربيع الآخر عام 583هـ= 26 من حزيران عام 1187م), وكان يقصد بوقعاته أيام الجُمَع ( يوم الجمعة) لا سيما أوقات الصلاة؛ تبركًا بدعاء الخطباء على المنابر”فربما كانت أقرب إلى الإجابة” .

بعد أن أقام صلاح الدين في الطرف الجنوبي لبحيرة طبرية مدة خمسة أيام, ارتحل عنها باتجاه الغرب للوصول إلى قرية الصنبرة الواقعة عند التلال المحيطة بالمنطقة القريبة من بحيرة طبرية.

وعلى الرغم من نيته الاشتباك مع العدو في معركة فاصلة, إلا أنه أراد بتحركه أن يثيرهم ليدفعهم إلى ترك مراكزهم عند صفورية, والزحف إليه وقد نجح في ذلك؛ فقد أصدر الملك جاي لوزجنان الأوامر إلى الجند بالسير؛ فاتخذ الجيش الصليبي – الذي بلغ تعداده خمسين ألفًا تقريبا- في الصباح الباكر من يوم الجمعة (23 من ربيع الآخر= 2 من يوليو) طريقه شرقًا نحو طبرية, يتقدمه ريموند الثالث.

وقد واجه الجيش الصليبي المتقدم عدة مشكلاتٍ أَثَّرَتْ تأثيرًا سلبيًّا على قدراته القتالية، منها……….

انحطاط روح أفراده المعنوية, بعد الانقسام في الرأي بين القادة.

اشتداد حرارة الجو وافتقارهم إلى الماء

صعوبة الطريق الذي بلغ طوله ستة عشر ميلاً.

تعرضهم لهجمات المسلمين الخاطفة .

اكتشف الصليبيون في صباح يوم السبت (24 من ربيع الآخر= 3 من يوليو) أنهم محاصرون بعيدًا عن الماء؛ فنزلوا مسرعين إلى قرون حطين, وهناك دارت معركة رهيبة انتصر فيها الجيش الإسلامي انتصارًا عظيمًا, وهاجمت قوة صليبية بقيادة ريموند الثالث المسلمين في بداية القتال, في محاولة لاحتلال الممر المؤَدِّي إلى قرية حطين حيث بعض ينابيع الماء والآبار؛ فانفصلت عن باقي الجيش الذي كان يتبعها, وعندما وصل أفرادها إلى الممر وجدوا أنفسهم مُطوَّقين من جانب المسلمين، فحاولوا شَقَّ طريق لهم عبر صفوف المسلمين, ولكنَّ الرماة رموهم بالنبال؛ فلقي عدد كبير منهم مصرعهم على الفور, بينما وقع آخرون في الأَسْر.

وفي الوقت الذي كان فيه ريموند الثالث مُطوَّقًا من قبل المسلمين, كان قلب الجيش بقيادة الملك يستعد للقتال, وعندما بدأ الالتحام هجم فرسان الإسبتارية بقوة؛ فقتلوا بعض المسلمين, وتسببوا في انسحاب البعض الآخر إلا أنهم لم يستثمروا انتصارهم الجزئي هذا؛ لأن المشاة قصروا في مجاراة الفرسان؛ لأنهم كانوا مرهقين, وانسحبوا إلى تلة هي إحدى قرون حطين, وذُعِرَ الملك عندما رأى ذلك؛ فحاول أن يعيد الثقة إلى المشاة, ويردهم إلى مواقعهم, ولكنه فشل, ومع انسحاب المشاة انكشف قلب الجيش الذي تعرض لضربات المسلمين.

ريموند يحاول الهرب

في ظل هذه الفوضى التي ضربت الجيش الصليبي, حاول الملك أن ينصب خيمة تكون مركزًا لإعادة التجمع, ولاحظ ريموند الثالث ما آلت إليه الأوضاع العسكرية من التدهور؛ فأيقن قبل أن تنتهي المعركة أن النصر سيكون في صالح المسلمين ولذا بذل كل ما عنده من ذكاء لينجو بنفسه من الموقعة؛ فحاول أن يتراجع لكنه فشل .

وكرر ريموند الثالث محاولته فك الطوق عن قواته, والانسحاب من المعركة عن طريق القيام بصدمة الجناح الإسلامي المقابل له بقيادة تقي الدين عمر, وقد نجحت خطته عبر ثغرة فتحها له القائد المسلم, وبعد أن اخترق صفوف المسلمين, أغلق القائد المسلم الثغرة, فانسحب ريموند من ساحة القتال, واتخذ طريقه إلى صور، ومنها إلى طرابلس .

وظل فرسان الداوية والإسبتارية يقاتلون, في الوقت الذي فقدوا فيه الأمل بأي انتصار؛ فأمر صلاحُ الدينِ ابن أخيه تقي الدين عمر أن يهجم مع خيَّالته على الصليبيين واختل نظام جيشهم, وأشعل المسلمون خلال ذلك النيران في الأعشاب الجافة والأشواك؛ فحملت الريح لهيبها ودخانها باتجاه الصليبيين؛ فزادت من معاناتهم, واجتمع عليهم العطش, وحر الزمان, والنار والدخان والسيوف, وأدى ذلك إلى فرار من بقي منهم من ساحة المعركة إلى إحدى قرون حطين حيث شاهدوا تقي الدين عمر يقبض على صليب الصلبوت؛ فأُسْقِطَ في أيديهم, وكانت تلك أكبر خسارة تكبدوها.

صلاح الدين يقتل شاتيون بيده:

سيق الأسرى إلى خيمة صلاح الدين التي أقامها في مكان المعركة؛ فاستقبل الملكَ والأمراءَ في لطف وبشاشة, وأجلس الأول إلى جانبه, وقد أهلكه العطش؛ فسقاه فشرب وأعطى ما تبقى من الماء إلى رينولد شاتيون الذي كان إلى جانبه, ووفقًا لتقاليد الضيافة العربية متى جرى بذلُ الطعام أو الشراب للأسير، فإن ذلك يعني الإبقاء على حياته؛ ولذا بادر صلاح الدين إلى القول: “إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيناله أماني “”

ثم التفت إلى رينولد شاتيون الذي لم يغفر له ما ارتكبه من أعمال السلب والنهب, وانتهاك الحرمات المنافية للدين, وأخذ يُذَكِّرُه بجرائمه وخيانته وغدره, ثم قام إليه وضرب عنقه بنفسه؛ فارتعد الملكُ وظَنَّ أنه سوف يحل دوره, غير أن صلاح الدين سَكَّن جأشه وأَمَّنَه.

الطريق إلى بيت المقدس

وأضحى الموقف العسكري شديد الخطورة على مملكة بيت المقدس, وإمارتي طرابلس وأنطاكية؛ إذ لم يبقَ أمامه إلا أن يفتح حصون الأرض المقدسة, وبخاصة أنه نتج عن خسارة الصليبيين, الذين ألقوا بكل ثقلهم في معركة حطين, أن وقع عدد كبير من أمرائهم وقوادهم وفرسانهم في الأسر, وعلى رأسهم الملك جاي لوزينان, حتى لم يبق لديهم من يصلح للقيادة.

يُضَافُ إلى ذلك أن الغرب الأوروبي لم ينتبه إلى الخطر قبل عام (583هـ= 1187م)؛ ولذا فإن احتمال مجيء حملة صليبية سوف يستغرق زمنًا؛ لذلك شرع صلاح الدين يفتح المدن والحصون الصليبية واحدة بعد أخرى, فتحًا سريعًا ومتواصلاً, مُرَكِّزًا ضرباته المباشرة على الموانئ المهمة .

وقد قام صلاح الدين في هذا الوقت بفتح قلعة طبرية، وفتح عكا، ومدن الجليل، والمدن الساحلية.

والواقع أنه لم ينقضِ شهر جُمَادَى الآخرة حتى لم يَبْقَ للنصارى جنوبي طرابلس سوى صور وعسقلان وغزة, وبضع قلاعٍ معزولة، بالإضافة إلى بيت المقدس.

ويبدو أن صلاح الدين تخلى عن حذره هذه المرة أيضًا, حين منح الصليبيين حرية البقاء فيها أو الخروج منها، فذهب معظمهم إلى صور؛ ذلك أنه سرعان ما أدرك أن أمر هذه المدينة غدا صعبًا فتركها, وآثر الانصراف إلى غيرها؛ فقام بفتح عسقلان.

فتح بيت المقدس

بعد أن فرغ صلاح الدين من فتح عسقلان والمدن المجاورة, تطلع إلى تحقيق هدفه الذي طالما جال بخاطره, وعمل له, وهو تحرير بيت المقدس تمهيدًا لطرد الصليبيين من المنطقة؛ فأخذ يستعد لتنفيذ هذه الخطوة, وحتى يقطع الطريق على احتمال هجوم صليبي بحري على الساحل أن يخرج حسام الدين لؤلؤ الشامي أثناء حصاره لبيت المقدس؛ أرسل إلى قائد أسطوله في مصربأسطوله من مصر لحماية الشواطئ, وقطع الطريق على مراكب الصليبيين والاستيلاء عليها

وأقفل حلقة الحصار على المدينة المقدسة؛ ومن ثَمَّ دعا أهلَها إلى إرسال وفد للتباحث في الشروط التي بمقتضاها تستسلم المدينة .

ويبدو أن سكان بيت المقدس قد أدركوا بعد تساقط المدن والمعاقل الداخلية والساحلية أنهم أضحوا محاصرين فعلاً؛ فأرسلوا إليه وفدًا اجتمع به أمام عسقلان, فعرض عليهم تسليم المدينة بالشروط نفسها التي استسلمت بها بقية المدن والمعاقل الصليبية, أي يؤمنهم على أرواحهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم, وأن يسمح لمن يشاء بالخروج من المدينة سالمًا, ولكن سكان بيت المقدس رفضوا أن يسلموا المدينة، عندئِذٍ أقسم صلاح الدين أنه سوف ينالها بحد السيف.

ثم كرر صلاح الدين عرضه على سكان بيت المقدس؛ وذلك رغبة منه في عدم استخدام العنف مع مدينة لها حرمتها وقدسيتها عند المسلمين والنصارى على السواء, لكنهم أصروا على موقفهم الرافض؛ عندئذٍ قرر صلاح الدين اقتحام المدينة عنوة .

واجتمع داخل المدينة غير إن الصليبيين قاوموا الجيش الأيوبي الزاحف, واستطاعوا قتل أحد الأمراء وجماعة ممن كانوا معه.

وقد وصل صلاح الدين إلى المدينة في (15 من رجب عام 583هـ= 20 من سبتمبر عام 1187م) وعسكر أمام أسوارها الشمالية, والشمالية الغربية, وشرع في مهاجمتها إلا أن أشعة الشمس التي كانت تواجه عيون قواته فحجبت عنهم الرؤية الضرورية للقتال حتى بعد الظهر؛ لذلك طاف حول المدينة مدة خمسة أيام يبحث عن مكان يصلح للجيش أن يعسكر فيه إلى أن عثر على موضع في الجانب الشمالي نحو العمود وكنيسة صهيون, حيث الأسوار أقل متانة, فانتقل إلى هذه الناحية في (20 من رجب = 25 من أيلول), وحين حَلَّ الليلُ بدأ بنصب المجانيق.

ولما رأى الصليبيون شدة القتال, وشعروا بأنهم أشرفوا على الهلاك اتفقوا على طلب الأمان؛ فأرسلوا وفدًا إلى صلاح الدين من أجل ذلك واشترطوا احترام مَن في المدينة من الصليبيين, والسماح لمن يشاء بمغادرتها .

كانت هذه الشروط هي نفسها التي سبق لصلاح الدين أن عرضها عليهم من قَبْلُ, لكنه رفض قبولها الآن؛ لأنه أوشك أن يفتح المدينة عَنْوَةً..

وازداد موقف الصليبيين في الداخل سوءًا, وراحوا ينظرون بقلق إلى المصير الذي ينتظرهم, ولم يسعهم إلا أن يحاولوا مرة أخرى إقناع صلاح الدين بالعفو عنهم, ولكن صلاح الدين سبق له أن أقسم بأنه سوف يفتح بيت المقدس بحد السيف, ولن يحله من قسمه سوى إذعان المدينة بدون قيد أو شرط.

في ذكرى الإسراء تم الفتح

وتجاه هذا الإصرار, وبعد أن استشار مجلس حربه في الموقف, تقرر السماح للصليبيين بمغادرة المدينة مقابل عشرة دنانير عن الرجل يستوي فيها الغني والفقير, وخمسة دنانير عن المرأة, ودينارين عن الطفل, ومن يبقَ فيها يقعْ في الأسر, واشترط أن يُدْفَعَ الفداءُ المفروضُ في مدى أربعين يومًا, ومن لم يُؤَدِّ فداءَه خلال تلك المدة يصبحْ مملوكًا.

ودخل صلاح الدين المدينة يوم الجمعة (27 من رجب= 2 من تشرين الأول), وشاءت الظروف أن يصادف ذلك اليوم في التاريخ الهجري، ذكرى ليلة الإسراء والمعراج.

 

 

حسام حمدى

Leave a Comment

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: