Skip to content

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

October 28, 2011

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

خلافة الظاهر بأمر الله بن الناصر:-

)من شوال 622هـ حتى رجب 623هـ(

كان الظاهر بأمر الله عادلاً محسنًا قالوا إنه أعاد سنة العُمَرين، وكانت تأتيه الأخبار عن الناس والأحوال على عادة من قبله فيردها ويقول: أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم، فلا يكتب أحد لنا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا، فقيل له: إن العامة يفسدها ذلك ويعظم شرها، قال إنا ندعو الله أن يصلحهم، ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان إلى الرعية، فجدد من العدل ما كان دارسًا، وأذكر من الإحسان ما كان منسيًّا حتى توفاه الله.

خلافة المستنصر بالله بن الظاهر:-

بويع المستنصر بالله بالخلافة من رجب 623 حتى جمادى الآخرة 640هـ بعد وفاة أبيه الظاهر بأمر الله، فنشر العدل بين الرعية، وبذل الإنصاف في القضايا، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والمدارس، وقد وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة، وجعل فيها دار حديث وحمامًا ودار طب، وجمع الجيوش لنصرة الإسلام، وأحبه الناس، وكان له ذا شجاعة وإقدام، وقد هزم جنود التتار في الوقت الذي خافهم البشر، وكان أخ شجاع أيضًا صاحب همة عالية يقال له الخفاجي، فكان يقول: لئن وُلّيت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم. غير أنه لم يتول، وإنما تولى المستعصم بعد أبيه المستنصر.

وكان المستنصر جميل الصورة حسن السريرة جيد السيرة، كثير الصدقات والبر والصلات محسنًا إلى الرعية بكل ما يقدر عليه. وكان يبني الربُط والقناطر والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات، وقد عمل بكل محلة من محال بغداد دار ضيافة للفقراء، خصوصا في شهر رمضان.وقد توفي المستنصر في العاشر من جمادي الآخرة من عام 640 فكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة.

خلافة أبي أحمد عبد الله المستعصم بالله بن المستنصر

” أخر الخلفاء العباسيين ببغداد:-

بويع المستعصم بالله بالخلافة في جمادى الآخرة 640هـ، حتى قتل بين يدي هولاكو خان في محرم 656هـ.

ففي آبائه سبعة عشر خليفة لم يغنوا عنه من الله شيئًا. وبقتله انتهت الخلافة العباسية ببغداد.

كان خيرًا متدينًا عفيف اللسان وكان يتقن تلاوة القرآن حفظًا وتجويدًا إلا أنه كان مستضعف الرأي ضعيف البطش.

دخول التتار بغداد ونهاية محزنة :-

clip_image001[6]يقول ابن كثير في وصف كيفية دخول التتار بغداد: ثم دخلت سنة 656هـ فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها، حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها، استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكوخان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفًا على نفسه من التتار ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه وتعالى شيئًا.

 

وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب فانزعج الخليفة من ذلك إنزعاجاً شديدًا، وأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة.

وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها – وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل- إلى بغداد في 12 المحرم من سنة 656هـ ، وهو شديد الحنق على الخليفة؛ بسبب ما كان تقدم من الأمر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه، وهو أن هولاكو لما كان أول بروزه من همدان متوجهًا إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك سببا فى عدم النية عما يريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير أيبك وغيره، وقالوا: إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشار بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئًا من الهدايا فاحتقرها هولاكو خان الذى وصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية الشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة والذلة  ولا يبلغون عشرة آلاف فارس وهم بقية الجيش، كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله.

وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة، حتى نهبت دور قرابات الوزير، فاشتد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ أن بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكو خان  ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورءوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكو خان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر شخصاً ، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خواجة نصير الدين الطوسي، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئًا كثيرًا من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة.

 

وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو ألا يصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عامًا أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك!! وحسَّنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان نصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت، وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وانتخب هولاكو نصير ليكون في خدمته فلما قدم هولاكو وتهيب من قتل الخليفة، هوَّن عليه الوزير ذلك فقتلوه رفسًا، وهو في جوالق لئلاَّ يقع على الأرض شيء من دمه، خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل بل خنق، ويقال: بل أغرق، فالله أعلم. فباءوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده،

 ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشائش ،وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأماكن فيتتبعونهم ويقتلونهم حتى تجري دماءهم – أى المسلمين-  في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.

 

وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكي لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الجنود ، وذلك كله طمعًا منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضة وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء !!   واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء.

 قتل وخراب للمسلمين وان لله وان اليه راجعون :-

وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!!

 

وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر شهر المحرم، وأخذا فى ابادت المسلمين بالقتل والسبى والسيف أربعين يومً !!، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر وكان عمره يومئذ 46 سنة ، ومدة خلافته خمس عشرة سنة ، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله 25 سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مباركوأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة ، وأكابر الدولة واحدًا بعد واحد، منهم الدويدار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد، وكان الرجل يستدعي به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما يذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه، وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين على ابن النيار، وقتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد، وأراد الوزير ابن العلقمي – قبحه الله ولعنه – أن يعطل المساجد والمدارس والربط ببغداد ويستمر بالمشاهد ومحال الرفض، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون عملهم وعلمهم بها وعليها، فلم يقدره الله تعالى من ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده، فاجتمعا -والله أعلم- بالدرك الأسفل من النار.

ولما انقضى الأمراء المقدر وانقضت الأربعون يومًا بقيت بغداد مخربة ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جثثهم البلاد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون!.

 

ضعف وسقوط الخلافة العباسية

كان هذا هو الوضع في عصر القوة في الخلافة العباسية، وكانت هذه هي سماته، وقد انقلب الوضع في عصر الضعف، وهو الذي يشمل بقية خلفاء الدولة حتى سقوط بغداد عاصمة الخلافة على أيدي التتار، وقتل الخليفة المستعصم عام 656هـ/ 1258م. فما أهم سماته؟

إن من أهم سمات عصر الضعف بالخلافة العباسية ما يلي:

1– سيطرة القادة والجند الترك على الخلفاء:

شعر الخليفة المأمون أن بعض القادة الذين أصبح لهم نفوذ لم يعد بالإمكان وضع حدٍّ لهم بسهولة، وخاف مغبة الأمر؛ لذا فقد طلب من أخيه المعتصم الإكثار من جلب الأتراك من بلاد ما وراء النهر على شكل مماليك، فحياة المدن لم تُفسد طباعَهم بعدُ، ويمكن تدريبهم تدريبًا عسكريًّا كي يكونوا أداةً طيعةً بيد الخليفة تحمي بهم الثغور، وتضرب بهم خصوم الدولة في الداخل، وبدأت أفواج الترك تفد إلى بغداد حتى ضَجَّ منهم سكانها، وما أن أصبحوا جنودًا لهم نفوذ حتى كثرت تعدياتهم فقد أفسدتهم حياتهم الجديدة، وحدث الخلاف بينهم وبين البغداديين، واضطر المعتصم إلى بناء مدينة “سامراء” والانتقال بهم هناك، ومع الزمن أصبح منهم قادة اشتهر منهم “الأفشين” و”بغا” و”وصيف” وغيرهم, وزاد نفوذهم في الدولة, وأخيرًا تآمروا مع المنتصر على قتل أبيه المتوكل عام 247هـ/ 862م.

ومع مجيء هؤلاء الجند إلى مركز السلطة أصبحت الأمور بأيديهم، وبقي الخليفة اسمًا أو صورة في قصره ليس عليه سوى التوقيع على التعليمات في كثير من الأحيان, أو إصدار الأوامر حسب رأي القادة، حتى وصف الخليفة أحد الشعراء فقال:

 

وهكذا فسد الوضع فلم يأمن الناس بعد ذلك على أرواحهم، ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، وهُدِرَت الكرامة، وفَقَدَ الناس حريتهم، وضاعت العزة، وأصاب الأمة الذل، ومتى وقع ذلك فقدت الأمة مقوماتها، ولم تعد قادرة على القتال، ولا على المجابهة، وأصبح المجتمع مضطرًّا للخضوع للقادة المتسلطين، وقبول كل رأي يقوله العسكريون، وهذا ما يريدونه عادة، ولم يعرفوا نتائجه، وإنما يعرفون مصالحهم، وبسط نفوذهم وسيطرتهم, وإشباع رغبات نفوسهم؛ هذا في الداخل، وهو نفسه ما يريده أعداء الإسلام في الخارج، ولا يختلف الوضع العسكري في أي زمان ولا أي مكان عن هذا أبدًا.

2– انغماس المجتمع في الترف:

بينما كان العصر العباسي الأول عصر فتوحات عظيمة، وتوسعت بالدولة إلى آفاق غير متخيَّلة، وأصبح المستوى المادي طاغيًا؛ ويبدأ المجتمع في التمتع بثمارها، وبالنعيم الدنيوي الذي صنعه لهم المال الوفير، ووفرته لهم القصور الشاهقة، والحدائق الغنَّاء، والجواري الحسان؛ فانزلقوا إلى اللهو والمجون والفساد، وازدهرت صنعة الغناء بدل الجهاد، وصار المغنون أشهر من العلماء، وطغى حب الدنيا في القلوب، وكان من الطبيعي – والحال هكذا – أن تتوقف الفتوحات، ويركن الناس إلى الدنيا؛ فيصير الأمر إلى زوال.

3– ازدهار الشعوبية:

الشعوبية قوم متعصبون ضد العرب مفضِّلون عليهم العجم، ظهرت دعوتهم بعد عصر الخلفاء بدخول أجيال كثيرة من الفرس والترك والنبط في خدمة الدولة الإسلامية، فنشأت العداوات بين العرب أصحاب الدولة، وبين العجم الذين انتحلوا الإسلام، وكما حدثت هذه المفاضلة بين العرب والعجم .

4– الحركات الانفصالية:

لقد مضى العصر العباسي الأول ولا تزال للمسلمين دولة واحدة، وجميعهم يتبعون خليفة واحد، وإن وُجِدت ولاياتٌ لا تقر بالخليفة القائم بالأمر، أو تختلف معه قليلاً أو كثيرًا، فإننا يمكن أن نعدها إمارات على خلاف مؤقت مع أمير المؤمنين؛ وذلك مثل: الدولة الأموية في الأندلس، وكذلك قامت دولتان للخوارج في المغرب الأوسط حوالي عام 140هـ/ 758م إحداهما للإباضيين في “تاهرت”، والأخرى للصفرية في “سِجِلماسة”، ورغم أن الخوارج يختلفون فكريًّا مع أهل السنة؛ إذ يُكفِّرون من لم ير رأيهم، ومع ذلك فلم تعلن هاتان الإمارتان الخلافة، وقامت دولة الأدارسةعام 172هـ/ 789م في المغرب الأقصى على يد إدريس بن عبد الله بن حسن, ومع أنه كان قد نجا من معركة “فخ” عام 169هـ/ 786م في أحد شعاب مكة، وقد قتل فيها كثير من أهله وذويه، وفر ناجيًا بنفسه، خائفًا من تعقُّب العباسيين وأنصارهم، وعندما تمكن من إقامة دولته لم يعلن نفسه خليفة، وتأسست دولة الأغالبة في المغرب الأدنى عام 184هـ/ 800م، ولكنها بقيت تتبع العباسيين، واستمرت إمارة عباسية أو ولاية تتبع بغداد، ولكنها وراثية في ولاتها.

أمَّا في عصر الضعف العباسي الطويل، فقد نشأت دويلات في مشرق الدولة الإسلامية إضافة إلى ما نشأ في مغربها؛ فقامت في المشرق الإسلامي دول انفصالية منها الدولة الطاهرية (205- 259هـ/ 821- 872م)، والدولة الصفارية (254- 298هـ/ 868- 911م)، والدولة السامانية (261- 389هـ/ 875- 999م).

وكذلك زادت الدول المستقلة في مغرب الدولة الإسلامية وخاصة في مصر، فقد قام المماليك بتأسيس دول لهم في مصر مثل: الدولة الطولونية(254- 292هـ/ 868- 904م)، والدولة الإخشيدية (323- 358هـ/ 934-968م)، والدولة الفاطمية في بلاد المغرب ومصر (297- 567هـ/ 909- 1171م).

وظهرت دول أيضًا في وسط الدول الإسلامية، فقد قامت الدولة الحمدانية في الموصل (317- 380هـ/ 929- 990م)، وفي حلب (333ـ 394هـ/ 944- 1003م).

وأخيرًا يمكن القول: إن وجود هذه الدويلات إنما يعود إلى الضعف الذي أصاب الدولة العباسية، وإن وجود دويلات قد زاد في الضعف، أو هو سبب من أسبابه، ومَرَدُّ كل ذلك إلى ضعف الإيمان في النفوس، وتراجع الفكر الإسلامي من العقول، وعدم فهم طبيعة الإسلام في الجهاد، والسير وراء أصحاب المنكرات والأطماع بمجرد ادعائهم الانتساب إلى آل البيت مع وضوح ضلالهم وضلالاتهم، مما دفعهم إلى القيام بحركات ضد الدولة استغلها أهل السوء، وقد نُرْجِع ذلك إلى الجهل الذي يؤدي إلى ذلك، ولكن الجهل ليس إلا من ظواهر ضعف الإيمان، وكل ذلك أدَّى إلى وجود أكثر من خليفة في بلاد المسلمين، وتعدد الدول المنفصلة عن جسم الخلافة.

 

إنَّ سنن الله  لا تتخلَّف، ولا تتبدل، ولا وساطة فيها لأحدٍ كائنًا مَن كان؛ لذا كان لا بد من أن تجري تلك السنن على الدولة العباسية التي خالفت المنهج الإسلامي من أول يوم، وقد جرت تلك السنن باجتياح التتار لأراضي الخلافة بكل وحشية، حتى حاصروا بغداد، بينما الخليفة العباسي لاهٍ يستمتع برقص الجواري، ويقرِّب منه الخونة، كالوزير الشيعي ابن العلقمي الذي تعاون مع هولاكو ضد المسلمين.

وكانت النهاية الحزينة، بل المفجعة باستباحة بغداد أربعين يومًا، وقتل مليون من سكانها، بعد قتل العلماء، والأئمة، والقادة المجاهدين، والأعيان، وكبار التجار، ثم قتل الخليفة المستعصم نفسه رفسًا بالأقدام.

كانت هذه النهاية خليقة بدولة قامت على سفك دماء المسلمين، وعلى اللهو والمجون في أكثر وقتها.

 اعداد: حسام حمدى

Leave a Comment

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: