Skip to content

الدولة المملوكية البحرية

October 22, 2011

الدولة المملوكية

بداية نهاية الدولة الايوبية:-

لقد حدثت انقسامات وتناحرات بين ابناء البيت الايوبيى _ عقب وفاة صلاح الدين الأيوبي _ للوصل الى كرسي السلطنة فضلا عن أستمرار الخلافات بين ملوك بنى ايوب من ناحية وابناء البيوت القديمة التى ظلت تحكم أجزاء من الوطن اسلامى فى الشرق الادنى من ناحية اخرى مثل ابناء البيت الزنكى فى الموصل ، سنجار ، كيفا و آمد الأمر الذى أدى الى نشوب الحروب والصراعات فكان ذلك بمثابة السوس الذى نخرب اعمدة وكيان الدولة الايوبية .

وفى وسط تلك الاضطرابات حرص كل حاكم او ملك على تكوين عصبية لنفسه تكون عونا له ويمكن الاعتماد عليهم فى صد جيرانه او من يحاول الاعتداء عليه ، ولم يجد أمراء المسلمين فى ذلك الوقت وسيلة لتحقيق هدفهم ألا عن طريق الاكثار من شراء المماليك ( الرقيق الابيض) فأكثروا من شراءهم واهتموا بتعليمهم وتدريبيهم ليكونوا عونا لهم بعد ذلك .

من هم المماليك (أصل المماليك ):-

فى اللغة العربية المماليك هم العبيد أو الرقيق، وبخاصة هم الذين سُبُوا ولم يُسب آباؤهم ولا أمهاتهم.. ومفرد المماليك مملوك، وهو العبد الذي يباع ويشترى.

ملاحظة : العبد الذي سُبِي أبواه يعرف بالعبد القن وليس المملوك.

ومع أن لفظ المماليك بهذا التعريف يعتبر عاماً على معظم الرقيق، إلا أنه اتخذ مدلولاً اصطلاحياً خاصاً في التاريخ الإسلامي، وذلك منذ أيام الخليفة العباسي المشهور المأمون، والذي حكم من سنة 198هـ إلى 218هـ، وأخيه المعتصم الذي حكم من سنة 218هـ إلى 227هـ.. ففي فترة حكم هذين الخليفتين استجلبا أعداداً ضخمة من الرقيق عن طريق الشراء من أسواق النخاسة، واستخدموهم كفرق عسكرية بهدف الاعتماد عليهم في تدعيم نفوذهما.

ويرجع أصل المماليك الذين حكموا مصر إلى قبائل التركمان الرحل التى أستوطنت بلاد القوقاز وآسيا الصغرى وتركستان وبلاد ما وراء النهرين ، هذا ويرجع أصلب بعضهم إلى الجراكسة الذين ينتمون إلى جورجيا.  

وقد كانت الرابطة بين المملوك وأستاذه من طرازٍ خاص؛ فقد كان السلطان الصالح نجم الدين أيوب ومن تبعه من الأمراء- لا يتعاملون مع المماليك باعتبارهم رقيقًا.. بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد كانوا يقربونهم جدًّا منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم، ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رابطة السيد والعبد، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته.. وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو المادة، حتى إنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب “الأستاذ”، وليس لقب “السيد“.

شروق شمس المماليك :

ونتيجة للاحداث السابقة حدث ازدياد فى نفوذ المماليك فى شتى الامارات والدول الاسلامية فى الشرق الادنى وعلى رأسها مصر وكان ذلك فى القرن 7هـ \ 12 م وسرعان ما أصبح لهم كلمة مسموعة فى تلك الاحداث والاضطرابات مما يشير إلى ازدياد نفوذهم وسطوتهم.

وكان السطان الصالح نجم الدين أيوب هو صاحب الفضل فى تكوين فرقة جديدة من المماليك قدر لها أن تنهض بدور خطير غير مجرى التاريخ ألا وهو قيام دولة المماليك البحرية .

وقد دير المماليك مؤامرة لعزل السلطان الملك العادل ( الصغير ) أبن السلطان الملك الكامل و أحلال الصالح نجم الدين أيوب محله فى السلطنة وتم ذلك سنة 637هـ \ 1239 م.

وقد أحس السلطان نجم الدين أيوب بفضل المماليك عليه فى الوصول إلى كرسي السلطنة من جانب ومن جانب أخر أحس بحاجته إلى قوة من المماليك يكونوا على ولاء وطاعه له بعدما أحس بالغدر من الطوائف الاخرى فأكثر _ أى الصالح نجم الدين أيوب _ من شراء المماليك الترك حتى عاد معظم جيشة من فرقة المماليك.

أسباب تسمية هذه الفرقة بأسم فرقة المماليك البحرية :-  

ويرجع ذلك إلى أختيار الصالح نجم الدين أيوب جزيرة الروضة فى بحر النيل لتكون مركزا لهم وكان هولاء المماليك مجلوبين من بلاد القفجاق شمال البحر الأسود ومن بلاد القوقاز قرب بحر قزوين وقد أمتاز المماليك بحسن الطلعة وجمال الشكل والقوة بالأضافة إلى ذلك الشجاعة ورباطة الجأش والجرأة الأمر الذى جعلهم يستأثروا بالسلطة  وظلوا يحكموا مصر نحو قرن وثلث (648هــ – 784هــ \ 1250م – 1381م) .

وقد أنتسب هؤلاء المماليك غالبا إلى أساتذتهم الذين أشتروهم بالمال من التجار وأشرفوا على تربيتهم فمثلا انتسب المماليك المعزية إلى السلطان المعز و المماليك الظاهرية إلى السلطان الظاهر.

قيام دولة المماليك البحرية :-

بدأ ظهور المماليك القوي على مسرح العالم الإسلامي في مصر في عصر الملك الصالح نجم الدين أيوب؛ ففي سنة ٦٤٧هـ/ ١٢٤٩م تواترت الأنباء عن قرب قدوم حملة جديدة تحت راية الصليب ضد مصر بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا بهدف احتلال مصر. وبسرعة عاد الملك الصالح نجم الدين أيوب من الشام إلى مصر لكي ينظم وسائل الدفاعومواجهة تلك الحملة .

وفي العشرين من شهر صفر سنة ٦٤٧هـ/ ٤ يونيو ١٢٤٩م نزل الصليبيون قبالة دمياط، وأمامهم لويس التاسع يخوض المياه الضحلة، وهو يرفع سيفه ودرعه فوق رأسه.

 وانسحب الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ قائد المدافعين عن المدينة بسرعة بعد أن ظن أن سلطانه المريض قد مات، وفي أعقابه فرَّ الجنود، وفي أعقاب الجنود والفرسان فرَّ السكان المذعورون، وهكذا سقطت دمياط دون قتال.

الدور البطولى للمماليك في معركة المنصورة :-

وفي ليلة النصف من شعبان سنة 647هـ وفي خضم هذه الأحداث توفي السلطان الصالح نجم الدين أيوب في يوم الاثنين ١٤ من شعبان سنة ٦٤٧هـ/ ٢٠ نوفمبر ١٢٤٩م، وأخفت زوجته شجرة الدر نبأ وفاته لكي لا تتأثر معنويات الجيش، وأرسلت في استدعاء ابنه توران شاه فى بلاد الشام

واشتدت المقاومة المصرية ضد القوات الصليبية، وبعد عدة تطورات كانت القوات الصليبية تتقدم نحو مدينة المنصورة في سرعة، ولكن الأمير بيبرس البندقداري كان قد نظَّم الدفاع عن المدينة بشكل جيد، وانقشع غبار المعركة عن عدد كبير من قتلى الصليبيين بينهم عدد كبير من النبلاء، ولم ينجح في الهرب سوى عدد قليل من الفرسان هربوا على أقدامهم تجاه النيل ليلقوا حتفهم غرقًا في مياهه، أما الجيش الصليبي الرئيسي بقيادة لويس التاسع فكان لا يزال في الطريق دون أن يعلم بما جرى على الطليعة الصليبية التي اقتحمت المنصورة في ٤ من ذي القعدة ٦٤٧هـ/ فبراير ١٢٥٠م.

وفي المحرم من سنة ٦٤٨هـ/ ١٢٥٠م دارت معركة رهيبة قرب فارسكور قضت على الجيش الصليبي، وتم أسر لويس التاسع ثم نقل إلى دار ابن لقمان القاضي بالمنصورة؛ حيث بقي سجينًا فترة من الزمان حتى أُفرِجَ عنه لقاء فدية كبيرة، ومقابل الجلاء عن دمياط.

انتهاء حكم الأيوبيين في مصر:-

بعد عهد الصالح أيوب، تولَّى ابنه “توران شاه” الذي لم يكن على قدر المسئولية  فإنشغل باللهو بعد انتصاره على الصليبيين، وقد وجد أن المماليك البحرية يمثلوا عقبة له فأخذ فى أبعاد رجال الدولة وتخلص منهم وأساء معاملة قادة الجيش من المماليك، بل والأدهى من ذلك أن توران شاه لم يحفظ جميل زوجة والده أبيه شجرالدر التى كانت لها دور بطولى فى إدارة شؤن البلاد عقب وفاة والده وقام بتهديدها ومطالبتها بما ليس عندها مما جعلها تفر إلى القدس فتآمرت شجر الدر مع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس وقلاوون الصالحي وأيبك التركماني وهم من المماليك الصالحية البحرية على قتل “توران شاه” وبالفعل تمت المؤامرة بعد سبعين يومًا فقط من قدومه من حصن كيفا واعتلائه عرش مصر ولم يكد يصل توران شاه إلى فارسكور ويمد السماط على العادة حتى تقدم إليه واحداً من المماليك البحرية وهو ركن الدين بيبرس البندقدارى وضربة بالسيف فأطار اصابعه وهنا اسرع توران شاه بالفرار إلى برج خشبي – أقيم له فى فارسكور- فقام المماليك بأشعال النار فى البرج الامر الذى جعل توران شاه  يقفز فى النيل وقام المماليك بملاحقته بالنشاب فمات (جريحا ، حريقا ، غريقا )   وكأنه لم يقطع كل هذه المسافات لكي يحكم بل لكي يدفن !!!!

وهكذا بمقتل “توران شاه” انتهى حكم الأيوبيين تمامًا في مصر، وبذلك أغلقت صفحة مهمة من صفحات التاريخ الإسلامي.

 تولى شجرة الدر الحكم :-

لقد حدث فراغ سياسي كبير بقتل توران شاه، فليس هناك أيوبي في مصر مؤهل لقيادة الدولة، ومن ناحية أخرى فإن الأيوبيين في الشام مازالوا يطمعون في مصر، وحتمًا سيجهزون أنفسهم للقدوم إليها لضمها إلى الشام.. ولا شك أيضًا أن المماليك كانوا يدركون أن الأيوبيين سيحرصون على الثأر منهم، كما أنهم كانوا يدركون أن قيمتهم في الجيش المصري كبيرة جدًّا، وأن القوة الفعلية في مصر ليست لأيوبي أو لغيره إنما هي لهم، وأنهم قد ظُلِموا بعد موقعة المنصورة وفارسكور، لأنهم كانوا السبب في الانتصار ومع ذلك هُمِّش دورهم.

كل هذا الخلفيات جعلت المماليك – ولأول مرة في تاريخ مصر- يفكرون في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور مباشرة.. وما دام “الحكم لمن غلب”، وهم القادرون على أن يغلبوا، فلماذا لا يكون الحكم لهم؟ 

 كل هذا دفع المماليك البحرية الصالحية إلى أن يرغبوا بعد مقتل توران شاه في “فترة انتقالية” تمهد الطريق لحكم المماليك الأقوياء، وفي ذات الوقت لا تقلب عليهم الدنيا في مصر أو في العالم الإسلامي.

وفي ذات الوقت وجد المماليك البحرية في شجر الدرّ الفترة الانتقالية التي يريدون.. إنها زوجة الملك الصالح أيوب الذي يكنون له  كامل الوفاء والاحترام والحب، وهي في نفس الوقت تعتبر من المماليك لأن أصلها جارية وأعتقت كما أنها في النهاية امرأة ويستطيع المماليك من خلالها أن يحكموا مصر وأن يوفروا الأمان لأرواحهم.!!!

وبذلك توافقت رغبات المماليك مع رغبة شجرة الدر.. وقرروا جميعًا إعلان شجرة الدرّ حاكمة لمصر بعد مقتل توران شاه بأيام، وذلك في أوائل صفر سنة 648هـ.

ولكن الجو العام في مصر- وعند أمراء الأيوبيين في الشام، وكذلك الخليفة العباسي المستعصم – لم يكن يقبل بولاية امرأة فقد أحس المسلمون بالحرج من تولى إمرأة الحكم فقد أرسل الخليفة العباسي “المستعصم بالله” إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأخبرونا حتى نسيّر إليكم رجلا وقد أدرك المماليك أن من مصلحة شجر الدر أن تتزوج من  أحد قادة المماليك وتترك له شئون الحكم وبالفعل    تزوجت من  “عز الدين أيبك“، ثم أصبح سلطانًا على مصر وتلقب بـــ “الملك المعز”   بعد عن حكمت شجرالدر 80 يوما فقط !! وبذلك وصل المماليك إلى حكم مصر خلفًا للأيوبيين.

تولى المعز أيبك السلطنة :

تولى الحكم سنة 648هـ وكان الملك المعز على درجة كبيرة من الذكاء بحيث إنه لم يصطدم بشجرة الدر ولا بزعماء المماليك البحرية في أول أمره.. بل بدأ يقوي من شأنه ويعد عدته تدريجيًّا، فبدأ يشتري المماليك الخاصة به ، ويعد قوى مملوكية عسكرية تدين له هو شخصيًّا بالولاء، وانتقى من مماليك مصر من يصلح لهذه المهمة، وكوَّن ما يُعرَف في التاريخ بالمماليك المعزية (نسبة إليه) ووضع على رأس هذه المجموعة أبرز رجاله وأقوى فرسانه وأعظم أمرائه سيف الدين قطز.

 ومع أن الملك المعز عز الدين أيبك نفسه من المماليك البحرية إلا أنه بدأ يحدث بينه وبينهم نفور شديد.. أمّا هو فيعلم مدى قوتهم وارتباطهم بكلمة زوجته شجرة الدر التي لا تريد أن تعامله كملك بل كصورة ملك!!.. وأما هم فلا شك أن عوامل شتى من الغيرة والحسد كانت تغلي في قلوبهم على هذا المملوك صاحب الكفاءات المحدودة في نظرهم الذي يجلس على عرش مصر ويلقب بالملك، أما هم فيُلَقَّبون بالمماليك..

وبالإضافة إلى تلك الأخطار السابقة ظهرت أخطار أخرى لاحت ف في الأفق ألا وهى تهديد البيت الأيوبي في الشام بغزو مصر فقد حدث أن تجمعت قوى الأمراء الأيوبيين – في الشام – لغزو مصر لاسترداد حكم الأيوبيين بها، وكانت الشام قد خرجت من حكم ملك مصر بعد وفاة توران شاه مباشرة.

وقد لجأ المماليك لخديعة لتهدئة البيت الأيوبي وهو أن ياتوا بطفل صغير من أبناء البيت الأيوبى وهو الأشرف موسي ( 6سنوات ) وصارات المراسيم تصدر باسم الملكين ” الأشرف والمعز ” ، غير أن هذه الخديعة لم يلق لها بالاً من قبل الأيوبين وقد عزموا على غزو مصر والتقى معهم الملك المعز عز الدين أيبك بنفسه في موقعة فاصلة عند منطقة تسمى العباسية (بالقرب من الزقازيق بالشرقية ) في 10 من ذي القعدة سنة 648هـ (بعد أربعة أشهر فقط من حكمه) وانتصر الملك المعز عز الدين أيبك، ولا شك أن هذا الانتصار رفع أسهمه عند الشعب، وثبَّت من أقدامه على العرش ولم يستمر هذا العداء طويلا بسبب ظهور خطر التتار .

الخليفة العباسي يعلن أيبك ملكًا على مصر:-

في سنة 651هـ (بعد 3 سنوات من حكم أيبك) حدث خلاف جديد بين أمراء الشام والملك المعز عز الدين أيبك، ولكن قبل أن تحدث الحرب تدخَّل الخليفة العباسي المستعصم بالله -وهذه نقطة تحسب له- للإصلاح بين الطرفين، وكان من جرَّاء هذا الصلح أن دخلت فلسطين بكاملها حتى الجليل شمالًا تحت حكم مصر.. فكانت هذه إضافة لقوة الملك المعز عز الدين أيبك، ثم حدث تطور خطير لصالحه وهو اعتراف الخليفة العباسي بزعامة الملك المعز عز الدين أيبك على مصر، والخليفة العباسي وإن كان ضعيفًا وليست له سلطة فعلية إلا أن اعترافه يعطي للملك المعز صبغة شرعية مهمة.

كل هذه الأحداث مكَّنت الملك المعز عز الدين أيبك من التحكم في مقاليد الأمور في مصر.. ومن ثَمَّ زاد نفور زعماء المماليك البحرية منه، وبالذات فارس الدين أقطاي الذي كان يبادله كراهية معلنة، لا يخفيها بل يتعمد إبرازها.. هذه المعاملة من أقطاي، وإحساس أيبك من داخله أن المماليك البحرية – وقد يكون الشعب- ينظرون إليه على أنه مجرد زوج للملكة المتحكمة في الدولة، جعله يفكر جديًّا في التخلص من أقطاي؛ ليضمن الأمان لنفسه وليثبت قوته للجميع. وهكذا لا يحب الملوك عادة أن يبرز إلى جوارهم زعيم يعتقد الشعب في قوته أو حكمته.

تزايد الصراعات ومقتل أقطاي:-

انتظر أيبك الفرصة المناسبة، إلى أن علم أن أقطاي يتجهز للزواج من إحدى الأميرات الأيوبيات، فعلم أن أقطاي يحاول أن يضفي على نفسه صورة جميلة أمام الشعب، وأن يجعل له انتماءً واضحًا للأسرة الأيوبية التي حكمت مصر قرابة الثمانين سنة، وإذا كانت شجرة الدر حكمت مصر لكونها زوجة الصالح أيوب، فلماذا لا يحكم أقطاي لكونه زوجًا لأميرة أيوبية فضلاً عن قوته وبأسه.

هنا شعر الملك المعز عز الدين أيبك بالخطر الشديد، وأن هذه بوادر انقلاب عليه، والانقلاب عادة يكون بالسيف، فاعتبر أن ما فعله أقطاي سابقًا وما يفعله الآن هي مؤامرة لتنحية أيبك عن الحكم، ومن ثَمَّ أصدر أوامره بقتل زعيم المماليك البحرية فارس الدين أقطاي.

وبالفعل تم قتل فارس الدين أقطاي بأوامر الملك المعز، وبتنفيذ المماليك المعزية الذين كانوا يقودهم كبير قادة الملك المعز، وتم ذلك في 3 شعبان سنة 652هـ.

وبقتل فارس الدين أقطاي خلت الساحة لعز الدين أيبك، وبدأ يظهر قوته ويبرز كلمته، وبدأ دور الزوجة شجرة الدر يقل ويضمحلّ، فقد اكتسب الملك المعز الخبرة اللازمة وزادت قوة مماليكه المعزية، واستقرت الأوضاع في بلده فرضي عنه شعبه، واعترف له الخليفة العباسي بالسيادة، ورضي منه أمراء الشام الأيوبيون بالصلح.

وبقتل فارس الدين أقطاي انقسم المماليك إلى جزئيين كبيرين

المماليك البحرية الذين يدينون بالولاء لشجرة الدر.

والمماليك المعزية الذين يدينون بالولاء للملك المعز عز الدين أيبك.

 وهنا قرر زعماء المماليك البحرية الهروب إلى الشام خوفًا من الملك المعز عز الدين أيبك، وكان على رأس الهاربين ركن الدين بيبرس، الذي ذهب إلى الناصر يوسف، هذا الخائن الذي كان يحكم حلب ثم دمشق ودخل في طاعته.

وهكذا صفا الجو في مصر تمامًا للملك المعز عز الدين أيبك، وتوسط الخليفة العباسي من جديد ليضمن استقرار الأوضاع، فاتفقوا على أن يعيش المماليك البحرية في فلسطين، ويبقى الملك المعز في مصر، إلا أن ركن الدين بيبرس آثر أن يبقى في دمشق عند الناصر يوسف الأيوبي.

مقتل أيبك وتنصيب ابنه المنصور:-

وما كان للأوضاع أن تستقر على هذه الحال؛ فشجرة الدر التي شُغِفَت بالحُكم، وخاب ظنها في ضعف المعز أيبك الذي ظهرت قوته، وأخذ يقلِّل من دورها  فقررت شجرالدر التخلص من زوجها أيبك فدبرت له مكيدة ، وقتلته بمساعدة مماليكها فما كان من المماليك المعزية إلا أن قتلوها قصاصًا لأستاذهم.

وقعت البلاد في أزمة؛ فاجتمع أمراء المماليك، ونصَّبوا نور الدين علي بن أيبك من زوجته الأولى، وبُويع له، ولم يكن قد بلغ الخامسة عشرة من عمره، وهذه مخالفة كبيرة ولا شك، ولكن لعله قد وضع في هذا التوقيت لكي يوقف النزاع المتوقع بين زعماء المماليك على الحكم.. وتلقَّب السلطان الصغير بلقب “المنصور”، وتولى الوصاية الكاملة عليه أقوى الرجال في مصر وهو سيف الدين قطز قائد الجيش وزعيم المماليك المعزية  وأكثر الناس ولاءً للملك السابق المعز عز الدين أيبك.

وكان ذلك سنة 655هـ، وأصبح الحاكم الفعلي لمصر هو سيف الدين قطز.

سلطنه السلطان سيف الدين قطز:-

سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي محمود بن ممدود وهو من بيت مسلم ملكيوكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقَّهم التتار، وأطلقوا عليه اسمًا مغوليًّا هو قطز، وهي كلمة تعني الكلب الشرس، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوة والبأس، ثم باعه التتار في أسواق الرقيق في دمشق واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عز الدين أيبك ليصبح أكبر قواده كما رأينا ، وقد نشأ قطز على التربية الدينية، والحمية الإسلامية، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية وأساليب القتال، وأنواع الإدارة، وطرق القيادة.. فنشأ شابًّا فتيًّا أبيًّا محبًّا للدين معظمًا له قويًا جلدًا صبورًا كل هذه العوامل صنعت رجلاً ذا طراز خاص جدًا، يستهين بالشدائد، ولا يرهب أعداءه مهما كثرت أعدادهم أو تفوقت قوتهم.

ظهور خطر التتار وتولي قطز الحكم:-

وجد قطز أن السلطان الطفل ( المنصور ) مشغول باللهو عن أمور الحكم، وأن بعض أمراء المماليك يستغلون ذلك في التدخل في أمور الحكم، وجاء ذلك مع قدوم رسل التتار يهددون مصر بالاجتياح؛ فقام بعزله بعد موافقة العلماء، وأعلن نفسه سلطانًا على مصر.

بدأ قطز حكمه بمواجهة معضلة خطيرة، وهي صد التتار المتوحشين القادمين لغزو مصر بعدما أسقطوا الخلافة الإسلامية، ودمَّروا بغداد، واجتاحوا الشام.

لم يكن قطز يستطيع صدَّ التتار بجيشٍ متشعب الولاءات بين الأمراء الذين يبحثون عن مصالحهم، ولا بشعب لاهٍ عن الجهاد وتبعاته؛ لذا بدأ بتنفيذ خطة محكمة سدَّد الله فيها خطاه؛ إذ بدأ بحشد جهود العلماء المخلصين من أجل بث روح الجهاد في نفوس الشعب، واضطلع سلطان العلماءالعز بن عبد السلام بعِظم هذه المهمة، ومعه عدد من العلماء الأجلاّء الذين تحفظ لهم الأمة مكانتهم.

ولم يكن للشعب أن يتبع خطوات العلماء ما لم يكن الحاكم نفسه يفعل ذلك، وقد كان قطز نِعْم الحاكم الذي يوقر العلماء، ويطيعهم؛ لذا لمّا أراد فرض ضريبة على الشعب لتجهيز الجيش، وأفتى العز بن عبد السلام بعدم الجواز إلا بعد أن يُخرِج الأمراء ما عندهم من أموالهم وأموال نسائهم وجواريهم؛ كان قطز أول مَن نفَّذ تلك الفتوى على نفسه، ثم طبقها على بقية الأمراء بالقوة.

ولكن.. لا بد للجيش من أمراء أكْفاء يقودون الجنود وهم مقتنعون بالهدف والغاية؛ لذا عمل قطز على تجميع الصفوف وتوحيدها، كما أخذ يُحمِّس الأمراء للجهاد في سبيل الله.

موقعة عين جالوت ونهاية التتار:-

تراصَّ الجميع خلف قطز شعبًا وأمراءً وعلماءً فبدأ التجهيز العسكري للمعركة، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهررمضان سنة 658هـ ،  التقى الجيشان: المسلم والتتري، وقاتل قطز قتالاً عجيبًاوبعد التوكلٍ على الله وخطة ذكية من قطز أثبت بها تفوقه على خصمه كتبغا قائد جيش التتار ونائب هولاكو كتب الله النصر للمسلمين، وبدأت الكفة –بفضل الله- تميل من جديد لصالح المسلمين، وارتد الضغط على جيش التتار، وأطبق المسلمون الدائرة تدريجيًّا على التتار” وكان يومًا على الكافرين عسيرًا”.. وقُتِل كتبغا بيدي أحد قادة المسلمين.

 ووصل التتار الفارُّون إلى بيسان (حوالي عشرين كيلو مترًا إلى الشمال الشرقي من عين جالوت)، ووجد التتار أن المسلمين جادّون في طلبهم، فلم يجدوا إلا أن يصطفوا من جديد، لتدور موقعة أخرى عند بيسان أجمع المؤرخون على أنها أصعب من الأولى، وقاتل التتار قتالاً رهيبًا، ودافعوا عن حياتهم بكل قوة، وبدءوا يضغطون على المسلمين، وكادوا أن يقلبوا الأمور لمصلحتهم، وابتلي المؤمنون، وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، وكانت هذه اللحظات من أحرج اللحظات في حياة القوات الإسلامية، ورأى قطز -رحمه الله- كل ذلك.. فانطلق يحفز الناس، ويدعوهم للثبات، ثم أطلق صيحته الخالدة: واإسلاماه، واإسلاماه، واإسلاماه.

 قالها ثلاث مرات، ثم قال في تضرع: “يا الله!! انصر عبدك قطز على التتار..!!”.

ما إن انتهى من دعائه وطلبه -رحمه الله- إلا وخارت قوى التتار تمامًا..وقضى المسلمون تمامًا على أسطورة الجيش الذي لا يقهر وقد انقذت تلك المعركة مصر وبلاد الشام من خطر المغول .

مقتل السلطان قطز :-

اثناء عودة السلطان قطز إلى القاهرة – والتى كانت فى استقبال البطل المغوار – قام ركن الدين بيبرس بقتل المظفر ققطز غدراً !! مستعيناً ببعض أمراء المماليك وكان ذلك بسبب عدم وفاء قطز بوعده لبيبرس وهو ان يعطيه حكم حلب مما اغضب الظاهر بيبرس وعزم على قتله فتأمر وبعض الامراء على قتل قطز ، وقد سنحت لهم تلك الفرصة  لتنفيذ تلك المؤامرة عندما وصل قطز إلى الصالحية فى طريقة إلى القاهرة ، وبعد أن فرغ قطز من صيد تقدم إليه بيبرس يطلب منه امرأة من سبى المغول فأجابة قطز إلى طلبه ، فتظاهر بيبرس برغبته فى تقبيل يد قطز فأمسك على يديه  وحول بينه وبين الحركة وكانت هذه هى الاشارة لكى ينقض  الأمراء على قطز بالسيوف والرماح  وقتله.

 السلطان الظاهر بيبرس على عرش مصر :-

بعد وفاة ( أو بمعنى افضل مقتل السلطان المظفر قطز) ، تولى السلطان الظاهر بيبرس حكم مصر وبدخولة قلعة الجبل وجلوسه على عرش مصر بدأت صفحة جديدة فى تاريخ مصر وذلك لأن السلطان الظاهر بيبرس يعد المؤسس الحقيقى لدولة المماليك البحرية فى مصر ومثبت أركانها فقد حكم البلاد من الفترة من (658هــ – 676هـ)  كما جعل القاهرة مقر للخلافة العباسية بعد تدمير المغول لمدينة بغداد وبالاضافة إلى ذلك  جعل بيبرس الخليفة المستنصر بالله خليفة للمسلمين وأسكنه قلعة الجبل  كما اتصف بيبرس بالحزم ، والبأس الشديد، وعلو الهمة، وبعد النظر، وحسن التدبير، واجتمعت فيه صفات العدل والفروسية والإقدام، فلم يكد يستقر في الحكم حتى اتخذ عدة إجراءات تهدف إلى تثبيت أقدامه في الحكم منها:

التقرب من الخاصة والعامة – بتخفيف الضرائب عن السكان – كما عفا عن السجناء السياسيين، وأفرج عنهم – عمل على الانفتاح على العالم الإسلامي لكسب ود زعمائه ،وقام كذلك بالقضاء على الحركات المناهضة لحكمه- وأعاد الأمن والسكينة إلى البلاد، وإضافةً إلى ذلك – أعاد إحياء الخلافةالعباسية.

 وعندما توطدت دعائم سلطة المماليك، وقويت شوكتهم، نتيجة الإجراءات التي اتخذها “بيبرس”، رأى هذا السلطان ضرورة متابعة سياسة صلاح الدين الأيوبي وخلفائه في طرد الصليبيين، وإجلائهم عن البلاد الإسلامية، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، فقد كان لزامًا عليه أن يجابه ما تبقى من الإمارات الصليبية وهي أنطاكية، وطرابلس، والجزء الباقي من مملكة بيت المقدس، وحتى يحقق هدفه اتبع إستراتيجية عسكرية قائمة على ضرب هذه الإمارات الواحدة تلو الأخرى، ولم تنقضِ سنة من السنوات العشر الواقعة بين عامي ( 659- 669هـ/ 1261- 1271م) دون أن يوجه إليهم حملة صغيرة أو كبيرة، وكان ينتصر عليهم في كل مرة.

مصر فى ظل حكم بنى قلاوون

تعد أسرة بنى قلاوون من الاسر التى حكمت  مصر فترة كبيرة فى ظل دولة المماليك فبالرغم من أن المماليك لم يؤمنوا بمبدأ الوراثة إلا أن بنو قلاوون أستطاعوا ان يحتفظوا بمنصب السلطنة فى ذرية المنصور سيف الدين قلاوون مدة طويلة مايقرب من قرن (648هـ – 784هـ)   ويلاحظ فى عصر اسرة بنى قلاوون بلوغ مصر درجة عالية من التقدم والازدهار .

الامير سيف الدين قلاوون الصالحى :-

يعد هو المؤسس لتلك الاسرة وهو من مماليك الصالح نجم الدين ايوب أشتراه على الدين      أق سنقر العادلى – أحد مماليك العادل ابى بكر الايوبى-  بمبلغ 1000 دينار  لذلك يلقب بــ الالفى ،  وبعد وفاة الامير علاء الدين أنتقل قلاوون إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب فصار لقبه (الألفى العلائى الصالحى النجمى ).

  وبعد ذلك اخذ يتقلد المناصب حتى تولى حكم مصر بعد ان عزل سلامش بن الظاهر بيبرس (7 سنوات ) فقد كان قلاوون هو الواصى عليه مما جعل قلاوون هو صاحب الكلمة العليا ، كما قام بعزل كثير من الولاة والنواب الذين كان الظاهر بيببرس قد عينوهم وأحل محلهم جماعة من أنصاره ، كذلك تخلص قلاوون من بعض المراء المنافسين له ، وفى النهاية اجتمعت الكلمة على عزل سلامش وتولية سيف الدين قلاوون منصب السلطنة وكان ذلك سنة 678هــ .

سلطنة سيف الدين قلاوون :-

  وقد قضى قلاوون فترة حكمه فى إصلاح أمور البلاد  والجهاد ضد الاعداء ، وقد اعتلى السلطان المنصور قلاوون عرش السلطنة في مصر سنة ٦٧٨هـ.

كان المنصور قلاوون حليما ، عفيفا فى سفك الدماء ، مقتصدا فى العقاب ، كارها للأذى ، وكان ملكا جليلا جميلا رحيما حليما وكان ذو حنقة سياسية  فقد اقام منارة العدل وأحسن سياسة الملك وقام بتدبير المملكة أحسن قيام ، ولم يكد يعتلى كرسي السلطنة حتى أخذ يتقرب إلى الناس بالاعمال الطيبة .

ولم يسلم المنصور قلاوون من الثورات الداخلية فى بداية حكمة فقد خرج عليه الامير شمس الدين سنقر نائب الشام ودعا اهل الشام للخروج على السلطان المنصور قلاوون وقد أنزل به السلطان المنصور هزيمة ساحقة ، وفى العام التالى تآمر بعض الأراء الظاهرية  – من مماليك الظاهر بيبرس – ضد السطان قلاوون واتصلوا بالصليبين سرا ولكن كشف قلاوون امرهم وعاقبهم بالاعدام  والسجن .

صلح السلطان مع سنقر الأشقر:-

بدأ السلطان قلاوون ولايته بمحاربة الخارجين عليه كالأمير سنقر الأشقر، حيث بعث إليه حيث هو بالشام جيشاً بقيادة الأمير سنجر، وظلا في سجال من القتال حتى توالت الأنباء بقرب عودة التتار فكتب السلطان المنصور إلى سنقر إن التتار قد أقبلوا، والمصلحة أن نتفق عليهم، لئلا يهلك المسلمون بيننا وبينهم، وإذا ملكوا البلاد لم يدعوا منا أحدا”، فكتب إليه سنقر بالسمع والطاعة.

وبعد أن تخلص قلاوون من القضاء على الاخطار الداخلية  التى واجهته بدأ ينصرف نحو التتار والصليبين الذين كانوا يهددوا بلاد الشام من حين لأخر. 

وقعة حمص والقضاء على التتار :-

في السابع والعشرين من جمادى الآخرة680 هـ  وصل الخبر بقدوم منكوتمر بن هولاكو بجيشه إلى عنتاب، فخرج إليه السلطان وعسكر في حمص، واستقدم سنقر الأشقروقواته، ودخل التتار حماة فخربوا فيها، ثم وصلوا إلى حمص حيث التقى الجمعان.

اضطربت ميمنة المسلمين في البداية، ثم الميسرة، وثبت السلطان ومن معه ثباتاً عظيماً، ماحمل الأمراء والقادة على الانقضاض على التتار وكسروهم كسرة عظيمة، وجرحوا ملكهم، وقتلوا منهم الكثير، وكانت مقتلة تفوق الوصف، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين انتصاراً مظفراً، ودخل السلطان المنصور دمشق في أبهة النصر في 22 من شعبانوبين يديه الأسرى حاملين رؤوس قتلاهم على الرماح.

تصفية الوجود الصليبى فى بلاد الشام :-

 وبعد أن وطَّد دعائم حكمه بدأ في مواصلة جهاد الظاهر بيبرس ضد الصليبيين. وكانت بقايا الوجود الصليبي تتمثل في إمارة طرابلس، وبقايا مملكة بيت المقدس اللاتينية التي اتخذت من عكا عاصمة لها، كما كان حصن المرقب بأيدي الفرسان الإسبتارية، وطرطوس بأيدي فرسان الداوية.

 وفي سنة ٦٨٤هـ/ ١٢٨٥م شنَّ الجيش المصري هجومًا ناجحًا على حصن المرقب، وانتزعه من فرسان الإسبتارية. وكانت كل الشواهد تدل على أن نهاية الوجود الصليبي في المنطقة العربية قد اقتربت ، كما أستغل قلاوون فرصة أنشغال الصليبين بالمنازعات الداخلية ففي سنة ٦٨٦هـ/ ١٢٨٧م أرسل السلطان المنصور قلاوون جيشًا استولى على اللاذقية، آخر ما تبقى من إمارة أنطاكية الصليبية التي حررها بيبرس.

وبعد ذلك بسنتين خرج السلطان بنفسه على رأس جيش ضخم فرض حصارًا على طرابلس لمدة شهرين واستولى عليها في إبريل سنة ١٢٨٩م، ثم تلتها بيروت وجبلة، وانحصر الصليبيون في عكا وصيدا.

تصفية الوجود الصليبي

كان لا بد من تصفية الوجود الصليبي في المشرق الإسلامي بعد أن استمرَّ ما يقرب من مائتي عامٍ، وبعد أن وهنت قوته بفعل المقاومة الإسلامية، وجهود الحكام المسلمين المجاهدين، وبالفعل تم تصفية الوجود الصليبي في بلاد الشام في عهد الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون (689- 693هـ/ 1290- 1293م)؛ حيث كانت بعض أملاك للصليبيين في الشام لا تزال قائمةً، منها على سبيل المثال: (عكا) التي اتجه إليها المنصور بن قلاوون وضرب عليها الحصار، واستطاع فتحها في السابع عشر من جُمادَى الأولى عام 690هـ/ عام 1291م، وكان هذا بمنزلة الضربة القاضية التي نزلت بالصليبيين في بلاد الشام، إذ لم تقم لهم بعد ذلك قائمة.

الحملة علي صور

أرسل السلطان جيشًا إلى (صُور) بقيادة الأمير سنقر، الذي استطاع أن يدخلها في شهر رجب من سنة دخول (عكا)، ثم ظهر جيش مملوكي بقيادة الأمير الشجاعي أمام (صيدا) الذي استطاع أن يدخلها في 15من رجب، ثم بعد ذلك فتح (بيروت)، وما لبث السلطان أن فتح (حيفا)، ولم يبقَ إلا موضعان: أنطروس وعثليث، ولكن حامية كلٍّ منهما لم تكن قادرة على الصمود، فجاءت حامية أنطروس في (5 من شعبان – 3 آب)، ومن عثليث في (16 من شعبان- 14 من آب)، ولم يعد بحوزة الداوية سوى الحصن الواقع في جزيرة أرواد، فظلُّوا محافظين على موقعهم هذا طيلة اثني عشر عامًا، ولم يغادروا الجزيرة إلا في عام (703هـ/ 1303م(.

 وظلَّت الجيوش المملوكية بعد طرد الصليبيين، تجوب الساحل من أقصاه إلى أقصاه بضعة أشهر في خطوة وقائية، تدمر فيها كلَّ ما تعتبره صالحًا لنزول الصليبيين إلى البر مرة أخرى والتحصن فيه من جديد.

وبعد وفاة المنصور قلاوون تولى ابنه الأشرف خليل والذى ينسب إليه الفضل فى الاستيلاء على عكا أخر معاقل الصليبين فى بلاد الشام .

السلطان الأشرف خليل بن قلاوون 1290-1293م

تولي الأشرف السلطنة بعد وفاة ابيه عام 1290 م و نجح في القضاء علي معارضيه في الداخل.

من أهم إنجازات الأشرف خليل بن قلاوون هو نجاحه في الاستيلاء علي أكبر معاقل الصليبيين في الشرق المسلم و هي إمارة عكا فقد خرج بجيش جرار من مصر و دمشق و طرابلس و حماه و حاصر الصليبيين في عكا لمدة عشرة أيام و ضربها بالمناجيق، و لقي مقاومة شديدة من فرسان الداوية و الاسبتارية حتي اقتحمها في مايو 1291 م.

 و بعد ذلك استولي بسهولة علي صور و صيدا و طرسوس في أغسطس سنة 1291م. و بذلك انتهي الوجود الصليبي في الشرق الذي امتد لمدة 200 عام.

جاءت نهاية هذا القائد العظيم علي يد نائبه، فقد وقعت فتنة بين السلطان الأشرف و نائبه الأمير بيدرا فقد عاتب السلطان بيدرا علي ممارسة السلب و النهب، فغضب بيدرا و أتفق مع بعض المماليك علي اغتياله. و تم ذلك في  عام 1293م . و لكن مماليك السلطان قبضوا علي بيدرا و قتلوه.

تولي الناصر محمد حكم مصر 1293- 1341م :-

بعد ما اغتيل الأشرف خليل فى  693هـ اتفق الامرا على انهم ينصبوا اخوه الصغير الناصر محمد على عرش مصر لأول مرة  وكان وقتها صغير (9 سنوات )  – هذا وقد تولى الناصر محمد حكم مصر 3 مرات-  و خلوا معاه الأمير زين الدين كتبغا نائب للسلطنه و الأمير سنجر الشجاعى مدبر للدولة ، وبذلك أصبح السلطان الصغير مجرد سلطان صورى كاللعبة فى ايدين كتبغا والشجاعى اللذان كانا بمثابة  الحكام الحقيقيين،  وقد قضى السلطان الناصر محمد فترة حكمه الاولى محجورا عليه فى القلعة  وكان هناك صرعات ومنازعات بين كل من الشجاعى وكتبغا اللذان أستبدا  بالحكم وعندما ادرك كتبغا ازدياد نفوذ الشجاعى بدرجة من الممكن ان تهدد مكانته عزم على التخلص منه بالقتل .

وقد جمع كتبغا الأمراء وشاورهم فى أمر هذا الطفل وان أمور البلاد غير مهيأه لكى تترك فى أيدى هذا الطفل الصغير السن وأجمعو على عزل الناصر محمد وبالفعل تم ذلك بعد عام واحد من توليه عرش مصر .

سلطنة العادل كتبغا :-

تولي العادل كتبغا عقب عزل السلطان ( الصغير) الناصر محمد وكان ذلك عام 694هـ ، كان كتبغا تترى الاصل وهو من أسرى موقعة حمص .

وقد تشائم الناس من حكم كتبغا حيث إن فترة حكمه كانت مصحوبا بإنخفاض منسوب النيل واشتداد المجاعة وارتفاع الأسعار وانتشار الأوبئة كما ازدادت كراهية الناس له حيث وفد على مصر – فى عهده- جماعة من بنى جنسه من التتار عرفوا باسم الأويراتية وكانت اعدادهم كبيرة فرحب بهم كتبغا الأمر الذى زاد من غضب الأهالى  ونقمتهم عليه .

وعلى الرغم من أن كتبغا عفا عن الأمير حسام الدين لاجين – الذى شارك فى قتل الأشرف خليل – وعينه نائبا للسلطنة الا ان لاجين لم يلبث وان طمع فى السلطنة مستغلا عوامل الكراهية الذى أخذت تزداد ضد كتبغا .

وقد دبر الامير لاجين مؤامرة لقتل كتبغا اثناء عودته من بلاد الشام الا انك كتبغا نجا من هذة المؤامرة وعاد إلى دمشق مرة اخرى فى حين أعلن لاجين نفسة سلطانا على مصر ولقب نفسة بالسلطان المنصور وكان ذلك سنة 696هـ .

سلطنة المنصور لاجين (696هـ – 698هـ) :-

تولى الحكم سنة 696هـ وقد كانت هناك عقبة امامه وهو وجود الناصر محمد بن قلاوون والذى لا يزال مقيما فى القلعة المر الذى يجعل الناس تنظر اليه – اي  الناصر محمد – على انه الحاكم الفعلى للبلاد ، لذلك عمل المنصور لاجين على أبعاده إلى قلعة الكرك بعدما اوهمه انه سيعيده على العرش عندما يبلغ سن الرشد وأنه فقد يقوم بالوصاية عليه لصغر سنه.

كما كان لاجين ينظر بعين الخوف والترقب لمقر الخلافة العباسية فقام بنقلها إلى مناظر الكبش بجوار الجامع الطولونى .

وقد أستتب لاجين بأمور البلاد وعزل شمس الدين سنقر ( نائب السلطنة ) وعين بدلا منه مملوكه منكوتمر وفوض إليه الأمور كلها .

وقد تسلط منكوتمر تسلطاً غريباً على السلطان لجين فقد احجبه عن العامة والخاصة فقد كان يعد  نفسه لأن يخلف المنصور فى منصب السلطة ولم يلبث وأن انتهى الأمر بمقتل المنصور لاجين وهو فالقصر ويلعب  الشطرنك وكان ذلك سنة 698 هــ  وقتل من بعده منكوتمر .

سلطنة الناصر محمد الثانية (698هـ – 708هـ) :-

بعد مقتل لاجين ومنكوتمر لم يجد الأمراء شخصية كبرى تستطيع أن تسيطر على الموقف وتستأثر بالسلطة فأضطر الأمراء إلى التفكير فى الناصر محمد الذى كان يمكث فى الكرك وقد تم استحضاره إلى مصر ليتولى منصب السلطنة للمرة الثانية ، فأستقبل أستقبالا حافلا من قبل المماليك والعامة حتى وصل إلى القلعة حيث جددت له البيعة .

وقد عين الناصر محمد الامير سيف الدين سلار نائيا للسلطنة والامير بيبرس الجاشنكير استادارا كما وزع الخلع على أعيان الدولة . 

تجدد الخطر التترى :-

وأخطر ماتعرضت له سلاطين المماليك –  وقتذاك – هو تجدد هجمات التتار على بلاد الشام بقيادة غازان خان سنة 697هـ  وأنزلت الهزيمة بالمماليك عند مرج المروج  ( بين حمص وحماة ) ودخل غازان دمشق وعاث فيها فسادا ثم عين نائبه على دمشق وعاد إلى بلاده وكان ذلك فى الوقت الذى خرج فيه خيش كبير من مصر بقيادة الناصر محمد سنة 698هـ قاصدين دمشق الأمر الذى أغضب غازان فخرج من بلاده يريد غزو الشام من جديد وكان ذلك سنة 702هـ ودارت معركة كبيرة عرفت بأسم معركة مرج الصفر ( قرب دمشق ) على إثرها هزم التتار هزيمة ساحقة الأمر الذى جعل الناس تتفائل بالناصر محمد رغم صغر سنة ( 14 سنة ) .

هروب السلطان الناصر من السلطنة :-

وعلى الرغم من ذلك كان السلطان الناصر محمد لا يستطيع  الوقوف أمام كبار أمراء المماليك  الذين أشتدت ضرواتهم  وذلك لصغر سن الناصر محمد ، ولذلك يمكننا القول أن سلطنة الناصر محمد كانت سلطة أسمية فقط بالاضافة إلى قيام كل من الامير سلار والامير بيبرس الجاشنكير بتضيق الخناق عليه –  اى على السلطان الناصر – وحالا بينه وبين الناس ، الأمر الذى أغضب السلطان الناصر فعزم على التخلص منهما إلا أنهم اكتشفوا  تلك المؤامرة وقواموا بحصار القلعة للقبض عليه إلا ان انقذته جموع الرأى العام المؤيدة للسلطان الناصر ، فعندما علموا بمحاصرة القلعة للقبض على السلطان الناصر فتجمعوا واخذوا يرددون هتافات مؤيدة للسلطان الصغير الأمر الذى وضع كل من الامير سلار وبيبرس الجاشنكير فى مأزق امام الجماهير والرأى العام  مما اضطرهم إلى الانحناء أمام تلك التيارات الهائجة من قبل الجماهير وجددوا الولاء للسلطان الناصر ولكن ذلك كان ظاهريا فقط فكان يضمرون ما لا يعلمه سوى الله.

وقد أحسن السلطان الناصر بضيق شديد من قبل سلار وبيبرس الجاشنكير فقد كان يخشي على نفسه عاقبه غدرهم : لذلك قرر الهروب من السلطة فتظاهر برغبته فى الذهاب لأداء فريضة الحج وخرج من مصر قاصدا الحجاز عن طريق الكرك الا انه بمجرد وصوله الكرك مكث بها وأرسل إلى مصر ليظهر عن نواياه لما فعله الأمر الذى أحدث أرتباكا بين أمراء المماليك فى مصر  وكان ذلك سنة 708هــ.

سلطنة بيبرس الجاشنكير:-

تولى السلطنة سنة 708هـ ، وفور اعتلائه العرش قام بمنح الناصر محمد حكم الكرك ، كما قام بتعيين الامير سلار نائبا له ولكن تشاء الاقدار ان تأتى فترة حكم بيبرس مصحوبة بإنخفاض منسوب النيل وغلاء الأسعار ، الأمر الذى جعل الناس تتشائم من سوء طالع السلطان الجديد هذا بالإضافة إلى كثير من امراء الشام رفضوا الاعتراف بالسلطان المظفر بيبرس سلطانا على مصر واعلنوا ولائهم لبيت قلاوون .

قد أرسل أمراء الشام إلى الناصر محمد فى الكرك يستأذنون القدوم إلى الكرك لمناصرته ، وأما عن السلطان الناصر محمد فقد كان كلما تقدم به الوقت ازداد نضجا ومعرفته إلى حقوقه فى الحكم وإلى سلطانه المسلوب  فقد أتصل بأمراء الشام يطلب منهم المساعدة لإزاحة المظفر بيبرس من حكم مصر مما جعل السلطان المظفر بيبرس يرسل إليه يهدده على فعلته .

 غير ان جماعة من المماليك السلطانية من الديار المصرية قد فارقوا طاعة السلطان المظفر بيبرس مناصرين للملك الناصر محمد بن قلاوون   وكان ذلك سنة 709 هـ  مما جعل موقف المظفر بيبرس يزداد سوءا وأنفض عنه معظم رجاله ، وأخيرا اعتزم الناصر محمد وأنصاره الانتقال إلى مصر فأستقبله العامة والناس بالحفاوة والترحاب واقيمت خطبة الجمعة بأسمه 22شعبان سنة 709هـ  فخلع بيبرس نفسه من السلطنه وغادر القلعة قاصدا اطفيح .

سلطنة الناصر محمد الثالثة (709-741هـ/ 1309- 1340 م )  :-

 خرج الناصر محمد من ” الكرك” قاصداً القاهرة يرافقه رجاله و أتباعه وكان ذلك 16 رمضان سنة 709هـ  وكان يلتقي السلطان في كل يوم بجموع المماليك و الأمراء الذين خرجوا لاستقباله وتقديم فروض الطاعة والولاء له حتى دخل القلعة أول أيام عيد الفطر( 709هـ –  1309م) ” عندما تولى الناصر محمد السلطنة للمرة الثالثة وهو فى الخامسة والعشرين من عمره ، باشرالحكم بنفسه، فقبض على الأمير” بيبرس الجاشنكير” وأعدمه أما ” سلار” فقد زج به إلى السجن حتى مات ، وقد تنبه الناصر محمد هذه المرة إلى مطامع الأمراء ولذلك حرص في ولايته هذه على أنه يقرب الأمراء حتى إذا أحس أن نفوذه زاد عما يجب أو شك فى تصرفاته  تخلص منه في الحال . 

وحكم “الناصر محمد” مصر مدة ( 31 سنة ) وصلت فيها الدولة المملوكية إلى ذروة عهدها حيث اتسعت الدولة في عهد هذا العاهل لتشتمل على بلاد النوبة، حيث أرسل إليها السلطان ثلاث حملات حملة في سلطنته الثانية( سنة 704 هـ/ 1304-1305 م) ، ثم حملتين أخرتين في سلطنته الثالثة( 715 – 716 هـ / 1315- 1316م) تمكنت هذه الحملات من إقامة أول ملك مسلم من أهل النوبة هو”عبد الله برشنبو”، وقد قامت في عهده الكثيرمن المنشآت العمرانية ذات المنفعة العامة مثل المساجد والقناطر والجسور، ومن منشآته الشهيرة “المدرسالناصرية” والمسجد بقلعة الجبل .

وفاة الملك الناصر محمد وبداية نهاية المماليك البحرية :-

بعد وفاة الناصر محمد سنة 741هـ  قد عانت الدولة من مدى الضعف والتدهور وعدم الاستقرار حيث  تولى أولاده وأحفاده من بعده وذلك مابين (741هـ – 784هـ) وفى تلك الفترة حدثت منازعات وأنقسامات فدب الضعف  فتدهورت جميع نواحى الحياة السياسية والاقتصاية والإجتماعية  كما أنتشر – وقتذاك – وباء أسمه الوباء الأسود سنة 749هـ ومات كثيرا من الناس وتأثرت به الحياة الاقتصادية تأثرا خطيرا   فقد كان ذلك أيذانا بغروب شمس المماليك البحرية ! وبالفعل حدث ذلك سنة 784هـ فقد قام السلطان برقوق بعزل الأمير حاجى حفيد الناصر محمد معلنا أنتهاء حكم بنو قلاوون ونهاية دولة المماليك البحرية .

HOSAM HAMDY

Leave a Comment

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: